تغييبُ العقل ، إسقاط الفكر و تعريةُ الثّقافة

تغييبُ العقل ، إسقاط الفكر و تعريةُ الثّقافة منجي باكير إنّ أيّ تغيير مادّي - طبيعي أو ثوري - أو غيره يحدث في أيّ مجتمع سوف لا يمكن له أن يستجيب إلى سنن التطوّر ولا كذلك إلى الاستقرارالإجتماعي ولا يوفّر أبداً دعائم للتنمية والبناء ما لم يسبقه أو على الأقلّ يرافقه تغييرٌ جذريّ في الواقع الفكري والثقافي لهذا المجتمع ... كمــا أنّ أي مجتمع لا ينتبه إلى ضرورتي الفكر والثقافة ، هو مجتمع فاشل مهدّد بالاندثار والذّوبان في أيّ عارض يأتي عليه ، وأيّ مجتمع لا يولي الفكر وأهل الفكر الأهميّة البالغة وكذلك الثقافة وأهل الثقافة، إنّما هو مجتمع هشٌّ غوغائي و لن يمكن له تحقيق النّظام والتضامن الاجتماعي طالما لم تجمعه وتحيطه وحدة أخلاقيّة ثقافيّة ذات مرجعيّة( قويمة . ما نعيشه في بلادنا هذه السنوات الأخيرة من تردٍّ للاقتصاد وهبوط للإنتاج ، وانعدام لخلق الثروة، والتجاء حادّ للمديونية وسياسة الاستقراض الخارجي مع تدنّي المفاهيم وجمود للوعي والإدراك داخل التركيبة الاجتماعيّة، زائد غياب الأمان النّفسي والمادّي، وانتشار المفاسد، وتعسّر التواصل السلوكي والخطابي في كتلة العامّة، كما بين مجاميع السّياسة ومِن قبلها النّخب، إنّما هو نتاجٌ لانفصام واندثارٍ للوحدة - الثقافيّة الفكرية - ذات المرجعيّة القويمة . بالمقابل هناك جمود في العقل ، بل إقصاء له و تغييب ، وانصراف عن المباحث الفكريّة ، إمّا إلى السّكون السّالب أو إلى "بغبغة" واجترار لبعض سِقط الفكر المستورد واستعماله بمرجعيّة مشوّهة و منبته، بلا تعديل ولا تحيين و لا مراعاة لمختلف مناحي الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة، بل إسقاطاً شموليّاً وإقحاماً عشوائيّاً من مجاميع اليسار الفرنكفوني على الواقع المحلّي، مستعينين باحتكارهم لوظائف ومفاصل الفعل السياسي، وتحكّمهم مجتمعين في دوائر القرار المتّصلة بالتعليم والمباشرة لساحات الفكر وفعاليات الثقافة، وبهذا التوجّه والمسعى الأرعن فإنّ روافد الإنتاج الفكري باتت فقط بمرجعيّة تسوّل فكري الفرنكفوني واستجداء معرفي التّغريبي قد ثبت نسخه و تجاوزه فضلا عن نقض بعض ما فيه ... أمّا حال الثقافة فكان أسوأ وأتعس في هذه السنوات العجاف ، إذا باستغلال خاطئ لمفاهيم الحقوق والحريّات وكذلك ببركة القائمين على الشأن الثقافي عندنا، وما يحمل أكثرهم من عداء للهويّة والدين، وعشق زائد للتغريب والاستئصال، فإنّ الثقافة حادت عن مدلولاتها ومفاهيمها ورسائلها لتنقلب إلى أدوات فساد وإفساد تتجلّى في "كاروكوزات" ماسخة في جميع مكوّناتها ومظاهرها مستعينة ببروباجندا الإعلام الفاسد في معظمه لمزيد من الإنتشار و التطبيع .

إنّ أيّ تغيير مادّي – طبيعي أو ثوري – أو غيره يحدث في أيّ  مجتمع سوف لا يمكن له أن يستجيب إلى سنن التطوّر ولا كذلك إلى الاستقرارالإجتماعي ولا يوفّر أبداً دعائم للتنمية والبناء ما لم يسبقه أو على الأقلّ يرافقه تغييرٌ جذريّ في الواقع الفكري والثقافي لهذا المجتمع … استمر في القراءة

Advertisements

الفكر الأسود

ff

منجي بــــــــاكير – صحفي تونسي

إنّما تنهض المجتمعات و الشّعوب بما لديها من فكر ، فكلّما تواجد لدى هذه المجتمعات مفكّرون أكفّاء ، كلّما كانت في حال أفضل لفهم الحياة و مدلولات كلّ الدوائر المرتبطة بها و بالتالي تتمكّن من توظيف نتاج هذا الفكر – الفاعل – في خلق التطور و فكّ شفرات سننه لدفع الضرر و استجلاب المصلحة و النّفع  .

الفكر يمكن أن يكون فكرا إيجابيّا – أبيض – فكرٌ يحمل على عاتقه مباشرةَ قضايا الإنسان و البحث في مشكلات الحياة لديه و تفسير الإبهامات الحاصلة عند الفرد و المجتمع التي من شأنها أن تؤخّر نواميس التطوّر و تعرقل حسن استغلال المؤهلات و تحجب طُرق استثمار الطاقات الكامنة و المتفجّرة ذاتيّا …

لكنّ هذا الفكر يمكن أن يتأتّى أيضا في شكل فاسد مفسد ، فكر – أسود – تماما و مقايسةً مع – السّحر الأسود – فهو فكر ينحى طريق الطلاسم و الهرطقات و الشذوذات و الشّعوذات و كل ما  شأنه أن يفسد العقل و يغيّبه ، بل يختطف مقدّراته إلى متاهات تؤجّج من استفحال و انتشار الأمراض السّلوكيّة الإجتماعيّة و اللّوثات الفكرية الجسديّة و بالتالي فإنّها تصرف المجتمعات المستهدفة بهذا الفكر الأسود إلى إشاعة الفساد و استجلاب التهلكة و تصيبه في مقتل بتقبيح الجميل و تجميل القبيح و خصوصا استباحة معين الفطرة الإنسانيّة فتختلّ عندها موازين الحقّ و العدل و الفضيلة ومفاهيم الخير و الشرّ و باقي الجماليات التي هي في الأصل المؤطر الحقيقي لضوابط الأعراف الإجتماعيّة الضّامنة للصّلاح و الدّافعة لحب البقاء و ما يتطلّبه من تقدير قويم للذّات الإنسانيّة . استمر في القراءة