إنقلاب تركيا : شعبٌ عظيم ومعارضة مدرسةٌ في الوطنيّة

 

أيّ شعب هذا ، و أيّ وصف يمكن أن يحتويه ، إنّه شعب عظيم ، ذاك الشّعب الذي أحبط – بإرادة شعبيّة واعية – انقلاب العسكر على السلطة الشرعيّة في رقم قياسي لم يتجاوزالستّ ساعات من الزمن ، خلال ستّ ساعات فقط  من بعد تلقّيه دعوة من رئيسه الشرعيّ (عبر السّكايب ) و بنداءات النيّرين عبر مآذن المساجد للنزول إلى الشّارع ، اندفع هذا الشعب التركي العظيم سيْلا يكسر حظر التجوال الذي أذاعه الإنقلابيون ، انطلق ليجتمع في السّاحات العامّة بلا خوف و لا شغب و لا فوضى ولا انتهاز فرصة للسّرقة و النهب و التعدّي على الملك الخاصّ أو العمومي ، انطلق هذا الشعب في تكاتف و لُحمة ليحرّر مبنى التلفزيون الرّسمي  و ليلاحق شراذم الإنقلابيين المهزومين و ليحافظ على السلاح المُهمل و ليحفظ الوطن من أطماع لصوص و أعداء الدّاخل الفاسد و الخارج المتربّص و أيضا ليُباع ثانية رئيسه الذي انتخبه سابقا و برهن على صدقه و حسن نيّته و قويم سياسته للإقلاع بتركيا الحديثة بمرجعيّة إسلاميّة لا شرقيّة و لا غربيّة و برؤية و أدوات حداثيّة أصلها ثابت و فرعها يقارع أكبر الدول اقتصاديّا و اجتماعيّا …

 

بالموازاة هناك عظمة أخرى و تحيّة إجلال و وسام وطنيّة من أعلى درجة حازتها المعارضة القائمة في تركيا ، معارضة عريقة ، أصيلة و مدرسة نموذجا في الوطنيّة ،،، فأكبر حزبان معارضان في  البلاد – حزب الشّعب الجمهوري و حزب الحركة القوميّة – حزبان ضاربان و متجذّران و لهما من القواعد الشعبيّة نسبا عالية ، حزبان معارضان لحزب العدالة و لا يتوانيان في الوقوف بشراسة في وجه قياداته كلّما اقتضت الحاجة ذلك …. لكن عندما أحدق الخطر بالوطن ، و صار الوطن و مقدّراته و شعبه قاب قوسين أو أدنى من الضّياع فإنّهما وبلا تأخير أعلنا صراحة عن رفضهما للإنقلاب ..!

معارضة لم – تقتنص – الفرصة لتدخل القصر الرئاسي على ظهر الدبّابة و لم تهرع إلى السفارات الغربيّة و لم تحرّض ما لها من قواعد على العصيان المدني و لا على التخريب و لم تتّخذ – نافورة – تفرّق تحتها – روز بالفاكية – و تتهجّم على الرئاسة و تخوّن مؤسّسات الدولة و لم تنادي – بالقطع – و لا باحتلال مراكز السيادة … بل كانت معارضة واعية رصينة تقدّر حجم و وقت و كيفيّة تحرّكاتها ، معارضة ضربت المثل في الإستقامة و الوعي و كانت بحقّ مدرسة في الوطنيّة .

هكذا تُبنى – البلدان – و هكذا تُصان ، و هكذا تجلب المعارضة لنفسها التقدير و المحبّة و تحافظ على سفينة الوطن ليكون فيها متّسعا للكلّ ، فهل يعتبر من له بقيّة من ضمير و شيء من العقل ؟؟ هل يستفيد من الدّرس من تهلّلت أساريره ليلة الإنقلاب طمعا في نجاحه و ضرب حسابات كذّبتها خيوط الفجر الأولى ؟؟ 

منجي بـــاكير – صحفي تونسي

Advertisements